Reply to this topicStart new topic
نشأة عمر بن الخطاب وإسلامه
عبود
المشاركة 22nd Aug 2004, 09:48 PM
مشاركة #1


عضو جـــيد
**

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 139
التسجيل: 15-08-2004
رقم العضوية: 29



[size=8][/size][color=blue][/color]الدرس لفضيلة الأستاذ محمد راتب


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ... من سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع الدرس الأول من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه .
أيها الإخوة الكرام لا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :" ...فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ... " *
( سنن ابن ماجة : عن العرباض بن سارية )
وسيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه من الخلفاء الراشدين ، وقبل أن نمضي في الحديث عن سيرته ينبغي أن نقف وقفةً قصيرة عند حقيقةٍ أساسية ، هذه الحقيقة هي أن أصول الإسلام تبدأ بالقرآن الكريم ، كتاب الله ، وحي السماء إلى الأرض ، وتأتي سنة النبي القولية لتبيِّن وتفسِّر هذا الكتاب ، هذا الأصل الثاني ، وتأتي سيرته العملية لتجسِّد فهمه لهذا الكتاب ، لعله وقع في التبيين لبسٌ ، الكتاب الكريم الأصل الأول لهذا الدين ، سنة النبي القولية بيانٌ وتفصيلٌ لهذا الأصل الأول :

( سورة النحل : آية " 44 " )
سيرته العملية تجسيدٌ لفهم النبي عليه الصلاة والسلام لكتاب الله وتجسيدٌ لبيان ما في كتاب الله الكريم ، بقي في أصول الإسلام أصلٌ رابع وهو أن صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ، أولاً رضي الله عنهم بنصِّ القرآن الكريم ، وكلمة رضي الله عن المؤمنين هذا الرضاء ليس رضاءً دعائياً ، قد تقول : الشيخ محي الدين رضي الله عنه ، قد تذكر اسم عالمٍ وتترضّى عنه دعاءً لا تقريراً ، ولكن صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ، رضي الله عنهم رضاءً تقريرياً ، لا رضاءً دُعائياً ، إذاً هؤلاء الصحابة على كثرتهم يمثِّلون نماذج إيمانية كلُّها مقبولة ؛ فهذا الغني ، وهذا الفقير ، وهذا الشيخ الكبير ، وهذا الشاب الصغير ، وهذا الذي نشأ في نعمٍ لا تعدٌ ولا تحصى ، وهذا الذي هاجر ، وهذا الذي مرض ، وهذا الذي عَمَّر طويلاً ، وهذا الذي مات في سن الشباب ، هذا الذي مات حتف أنفه ، وهذا الذي مات في ساحة المعركة ، هؤلاء الصحابة الذين رضي الله عنهم على كثرتهم يمثِّلون النماذج الإيمانية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن .
لذلك نحن مع عملاقٍ كبير من عمالقة الإسلام ، والعملقة هنا عملقةٌ إيمانية ، مع عملاقٍ كبير من المؤمنين الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام والذين صحبوه بصدقٍ وإخلاص ، هذا الصحابي الجليل شخصيَّته شخصيةٌ فذَّة ، كلما درسنا من سيرته تنكشف لنا جوانب لم نكن نعرفها من قبل ، حتى إن علماء التاريخ في شتّى بقاع الأرض يحتفلون بهذا الخليفة العظيم ، لأنه يمثِّل أحد القيم الإنسانية الخالدة ، وقد سمعت أنه في بعض البلاد الغربية متحفٌ كبير مكتوبٌ على بابه كهف العدالة ، وفي هذا المتحف نماذج من سيرة هذا الخليفة الراشد .
أيها الإخوة الكرام ... كان يُعقد في مكة سوق عُكاظ ، أي مؤتمر أدباء ، مؤتمر للشعراء ، يتبــارى الشعراء فيما بينهم ، ويعرضون قصائدهم على المؤتمرين و المشاهدين ، وكان شيخٌ كبير من شيوخ هذا المؤتمر أو هذا السوق (عكاظ) قافلاً إلى بلدته ، فالتقى بمن يقول له : " هل علمت النبأ العظيم يا أخا العرب ؟ " فقال هذا الشيخ : " وأيّ نبأٍ عظيم؟!" قال : " ذلك الرجل الأعسر اليَسَر " . ويتساءل الشيخ قائلاً: " الذي كان يصارع في سوق عكاظ ؟ " قال : " أجل هو ". قال : " ما باله يا فتى؟ " قال: " لقد أسلم واتبع محمَّدًا " .
إنّ الإنسان أحياناً يتحرَّك حركة لا يلتفت إليها أحد ، وهناك أشخاص عظماء إذا تحرَّكوا حركة ملؤوا الدنيا بأخبارهم ، فهذا الصحابي الجليل كان شديد البأس في الجاهلية ، هو نفسه أسلم واتبع محمداً، ويفيق هذا الشيخ من دهشته ويقول : " أما والحق ليوسعنَّهم خيراً أو ليوسعنَّهم شراً " يعني رأى شخصية فذَّه ، جلدة ، قوية ، مصممة ، همَّتها عالية ، إذا تبنَّت شيئاً أعطته كل قوتها ، أما والحق ليوسعنَّهم خيراً أو ليوسعنَّهم شراً . والحقيقة لقد أوسعهم خيراً .
من سمات هذا الصحابي الجليل أنه كان إذا تكلَّم أسمع ، وإذا مشى أسرع ، وإذا ضرب أوجع ، وإذا أطعم أشبع ، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : " ما رأيت أزهد من عمر ، كان إذا قال أسمع، وإذا أطعم أشبع ، وإذا سار أسرع ، وإذا ضرب أوجع " أي كان شديدًا ، قالوا : هذا الصحابي لم يخف قطُّ في حياته أبداً ، ولم يختلج جنانه الصامد أمام رهبةٍ أو فزع ، هذا الصحابي الجليل تنطبق عليه الآية الكريمة :

( سورة فاطر : آية " 1 " )
علماء النفس قالوا : " هناك تسعون بالمائة من الجنس البشري متوسطو القدرات ، وخمسة بالمائة متفوقو القدرات ، وخمسة بالمائة أيضاً مقصِّرون في قدراتهم " العباقرة خمسة في المائة ، والأغبياء إلى درجة العُتْه خمسة في المائة ، والتسعون متوسِّطون ، فكان هذا الصحابي الجليل من المتفوقين .
النبي عليه الصلاة والسلام كان يدرك قيمة هذا الصحابي ، قيمة هذا الرجل قبل أن يسلم ، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي فهماً عميقاً ، وأوتي إدراكاً دقيقاً ، وأوتي خبرةً في الأشخاص ، هو يدرك أن هذا الإنسان لو أسلم لخرج منه خيرٌ كثير ، هذا الكلام يسوقنا إلى تعليقٍ طريف هو أن المسلمين بعضهم عبءٌ على الإسلام ، وبعضهم الآخر يحملون الإسلام ، بعضهم عبءٌ عليه ، وبعضهم الآخر الإسلام عبءٌ عليهم ، يعني يحملونه ، ينهضون به ، فإذا أردت أن تكون عند الله مرضياً لا تكن ممن يحملك الإسلام ، بل كن ممن يحمل الإسلام ؛ يحمله دعوةً ، يحمله تطبيقاً ، يحمله خدمةً ، يحمله غيرةً ، يحمله نشراً ، يحمله تجسيداً ، يحمله تطبيقاً ، شتَّان بين من يحمل الإسلام ، وبين من يحمله الإسلام ، هذا الصحابي كان لفترة زمنية من ألدِّ أعداء الدين ، من ألدّ أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أدلَّ على ذلك مِن أنه ذهب ليقتله ، ويريح الناس منه ، ولكن حينما أسلم كان من أكبر المدافعين عن الدين ، ومن أكبر الصحابة الذي خدموا هذا الدين .
وهذا يقودنا مرة ثانية إلى التفوّق ، فلا تكن من عامة الناس ، لا تكن على هامش الحياة ، لا تكن إنساناً لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، لا ينفع ولا يضر ، لا يعرف أحدًا ولا يعرفه أحدٌ ، تفوَّق لأن أبواب البطولة مفتَّحةٌ لكل الناس ، والنظرية القائلة بأن ذكاء الإنسان محدود وأن قدراته محدودة هذه نظريةٌ باطلة ، حلَّ محلها نظريةٌ أخرى وهي أن في الإنسان قدراتٍ كامنةً إذا فُجِّرت جاءت بالمعجزات، وأنجزت الحضارات .
أيها الإخوة ... الشيء الذي كان متاحاً للصحابة الكرام متاحٌ لكم أيضاً ، الله هو هو ، كتابه بين أيديكم ، فرص الأعمال الصالحة ما أكثرها ؛ أعمال الدعوة ، أعمال الخدمة ، أعمال الإنفاق ، أعمال الرعاية ، الأعمال الصالحة فرصها مفتَّحةٌ لكل مسلم ، والقوانين التي قنَّنها الله هي هي ، إذا أخلصتَ له، وأقبلـتَ عليـه ، واصطلحتَ معه ترى العجب العجاب ، ترى العجب العجاب في سعادتك التي لم تكن تعرفها ، في الطُمأنينة التي كنت تفتقدها ، في التوازن الذي كنت بحاجةٍ إليه ، في هذا اليسر في أعمالك الذي تلحظه بشكل صارخ :

( سورة الليل )
ذكرت في درس من الدروس أن الوعود التي وعد الله بها المؤمنين هي وعود من قِبل خالق الكون ، ولزوال الكون أهون على الله من ألاّ تقع ، لو كنت مؤمناً ، فإذا لم تجدها فشُكَّ في إيمانك ، بل جدِّد إيمانك ، واصطلح مع الله ، وشمِّر إليه وقم إلى طاعته ، أو كما قال الله عزَّ وجل :

( سورة الذاريات )
أيها الإخوة ... هذا الذي جعلني أقول : إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف ما ينطوي عليه هذا الرجل من قدرات ومن نبوغ ومن همةٍ عالية ومن عبقريةٍ فذَّة ومن اندفاعٍ قوي ؛ ولكنه كان اندفاعاً ضد الحق وفي خدمة الباطل ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول : ((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ )) .
(رواه الترمذي عن ابن عمر)
ومرةً ثالثة هناك ، واحدٌ كألف ، وهناك ألفٌ كأُف ، هناك واحدٌ ينهض بهذا الدين ، وهناك آلافٌ هم عبءٌ على الدين ، هناك واحدٌ في قلوب الآلاف ، وآلافٌ ليست في قلوب واحد ، ومرةً ثالثة ورابعة وخامسة لو لم تكن أبواب البطولة مفتَّحةً في كلّ زمانٍ ومكان لمجموع الناس ، لكان من الإجحاف بحقّ بعض الناس أن يأتوا في عصرٍ غير عصر النبي .
سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه ألا يعدُّ خامس الخلفاء الراشدين ، سيدنا صلاح الدين الأيوبي الذي ردّ أوروبا بأكملها ألا يعدُّ سادس الخلفاء الراشدين ، ألم أقل إن باب البطولة مفتوحٌ دائما ما عليك إلا أن تتحرَّك ، وإلا أن تصدِّق ، وإلا أن تعطي ربّك كل جهدك ، وطاقتك ، وكل قدراتك، وكلَّ ما تملك ، وهذا معنى قوله تعالى :


( سورة البقرة )
وأيضاً اسمعوا مني هذه الحقيقة : إذا كنت داعياً إلى الله عزَّ وجل ، فكلما كنت أشدَّ صدقاً وإخلاصاً ساق الله إليك المخلصين الصادقين، وكلما كنت أقلَّ إخلاصاً وأقل صدقاً التف حولك الأقل صدقاً وإخلاصاً ، فإذا أردت أن يكون حولك أُناسٌ متفّوقون تفوَّق أنت قبلهم ، إذا أردت أن يكون حولك أُناسٌ مخلصون كن أنـت أشدَّهم إخلاصاً ، إذا أردت أن يكون حولك أُناسٌ طائعون لله عزَّ وجل فكن أنت أسبقهم إلى طاعة الله عزَّ وجل ، لا يُعقل أن تتمنى على الله أُناساً أصدق منك ، أو أطوع لله منك ، أو أقرب إلى الله منك ، أو أشدَّ إخلاصاً منك ، كنت أقول لكم هذا الدعاء دائماً : " اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني ، اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك ، اللهم إني أعوذ بك أن أتزيَّن للناس بشيءٍ يشينُني عندك ، اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرةً لأحدٍ من خلقك " .
إذاً إذا بحثـت عن النخبة فمعك الحق ، لأن هؤلاء النخبة يقدِّمون الشيء الكثير بجهدٍ يسير ، لشدة إخلاصهم .
النبي عليــه الصلاة والسلام ، شخصٌ واحد ، جاء الحياة وغادرها ، وترك الهدى في معظم بلاد الأرض ، قلب المجتمعات البشرية رأساً على عقب، نشر الفضيلة ، نشر الرحمة ، نشر الهدى وهو واحد، الله عزَّ وجل حاضرٌ وناظرٌ إليك ، يقول عبد الله بن مسعود : " ما زلنا أعزةً منذ أسلم عُمر ، كان إسلامه فتحاً ، وكانت هجرته نصراً ، وكانت إمارته رحمةً ، وما نستطيع أن نصلّي بالبيت حتى أسلم عمر " .
لكن هذا الكلام إيّاكم أن تفهموه فهما آخر ، أيكون عمر أشجع من رسول الله ؟ لا والله ، كنا إذا حمي الوطيس كنا نلوذ برسول الله ، فلم يكن أحدٌ أقرب إلى العدو منه ، لكن اسمعوا هذه الحقيقة : سيدنا عمر يمثِّل نفسه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرِّع ، فلو لم يأخذ الحيطة ، ولو لم يأخذ الأسباب لعُدَّ اقتحام الأخطار سنةً ، ولعُدَّ أخذ الأسباب حراماً ، هذا هو الفرق ، سيدنا عمر ليس مشرِّعاً فإن أصاب فلنفسه ، وإن أخطأ فعليها ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرِّع ، وهذا يقودنا دائماً إلى الفرق بين الحكم الشرعي والموقف النفسي ، سيدنا الصديق شرب لبناً ثم علم بعد أن شربه أنه مالٌ حرام ، فتقيَّأه ، يا ترى تقيّؤ الطعام حكمٌ شرعيٌ أو موقفٌ شخصي ؟ موقف شخصي يدلُّ على شدة ورعه ، ولكن الحكم الشرعي لا يقول بهذا ، سيدنا الصديق أعطى كل ماله لرسول الله ، قال: " يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ " قال : " الله ورسوله " . هذا موقفٌ يدلُّ على أعلى درجات التضحية ، هل هو حكمٌ شرعي ؟ لا ، لأن معظم الناس لا يستطيعونه ، الشرع جاء مع الخط العريض ، مع الأكثرية المتوسِّطة لا مع الأقلية المتفوِّقة .
يقول بعض كتَّاب السير الذاتيـة : " في الجاهلية كانت حربه للإسلام تكاد وحدها تعدل أذى قريشٍ جميعها ( سيدنا عمر وحده ) وفي الإسلام صارت حربه للوثنية تكاد تعدل مقاومة الإسلام بأسره " حجمه كبير جداً ، إذًا اتجه إلى الحق ، بكل إمكاناته ، وحينما كان يحارب هذا الدين فحربه لهذا الدين تعدل حرب قريشٍ كلّها ، وحينما حارب الوثنية بعد أن أسلم حربه تعدل مقاومة الإسلام كلِّه للوثنية ، لذلك حينما يقول بعض العلماء : هو عملاق الإسلام ، وهو في الحقيقة كان عملاقًا في الشكل ، كان فارع الطول ، عريض المنكبين ، قوي البُنية ، فبعض كتَّاب السير أرادوا أن يسحبوا هذه العَمْلَقة في جسمه إلى العملقة في إيمانه ، فكثيرٌ مَن يقول : عمر عملاق الإسلام .
لكن أيها الإخوة ... يجب أن تعلموا أن هناك فرقاً دقيقاً بين التطرُّف والتفوّق ، الإنسان إذا تطرَّف خرج عن الوَسَط :

( سورة لبقرة : آية " 143 " )
معنى وَسَط غير وسْط ، إذا كان حرف السين ساكناً أي بمكان متوسِّط ، تقول : هذا الرجل وَسْطٌ بين رجلين ، أما وَسَط أي معتدل لا إلى التهوُّر ولا إلى الجُبن ، لا إلى إنفاق المال إسرافاً ولا إلى منعه تقتيـراً ، لا إلى الخمول المميت ولا إلى التهوّر المقيت ، فالوَسَط هو الاعتدال ، والحقيقة دائماً وسَطٌ بين طرفين .
فهذا الصحابي الجليل لم يكن متطرِّفاً بل كان متفوِّقاً ، فكأن التطرُّف حركةً أفقيّة ، بينما التفوّق حركةً عمودية ، وأنا أهيب بكم أن تبتعدوا عن التطرُّف وأن تقتربوا من التفوُّق ، كلما زدت من إخلاصك، زدت من استقامتك ، زدت من بذْلك وتضحيتك ، زدت نفسك في طلب العلم تفوَّقت ، وكلما أخذت فرعاً من فروع الدين وبالغت به على حساب فروع الدين الأخرى فقد وقعت بالتطرُّف والغلو ، ونعوذ بالله من التطرُّف ، ولا أكتمكم أن تاريخ المسلمين ولا سيما في عصور التخلُّف كان سلسلة مواقف متطرِّفة تبعها ردود فعل متطرِّفة ، مواقف متطرِّفة تبعتها ردود فعل متطرِّفة ، نحن نبحث عن التفوُّق لا عن التطرّف ، التطرُّف أفقي أما التفوّق عمودي نحو الأعلى .
وقد ذكرت لكم من قبل أن الله سبحانه وتعالى في آيتين اثنتين ينهانا عن الغلو في الدين ، ومن أدقّ تعاريف الغلو في الدين أن المغالي يأخذ كُلِيةً من كُليَّات الدين فيجعلها الدين كلّه ، أو يأخذ فرعاً من فروع الدين فيجعله كُلِيَةً من كُلِيَّات الدين ، أو يعتقد بشخصٍ فيرفعه فوق مقامه بكثير ، هذا غلو ، أما التفوّق أن يزيد إخلاصك ، أن تزيد طاعتك ، أن يزيد بَذْلُك وتضحيتك ، أن يزيد علمك ، أن تزداد دعوتك نحو الأعلى .
الحقيقة سأريكم بمثلٍ مبسَّط الفرق الدقيق بين التطرُّف والتفوّق ، لو أن طفلاً عمره عشر سنين ، نموّه بشكل متوازن تفوّق ، أما أن تنموَ بعض الخلايا نمواً عشوائياً على حساب الخلايا الأخرى فهذا صار مرضاً خطيراً ، فالتطرُّف نمو غير طبيعي ، نمو غير منضبط بجانبٍ على حساب جانب ، لكن التفوُّق نموٌ طبيعيٌ متوازنٍ ، فالمتفوق ينمو عقله وينمو قلبه ويرقى عمله ، فلديه توازن ، أما إذا نما العقل على حساب القلب وقعنا في السفسطة ، وإذا نما القلب على حساب العقل ربما وقعنا في الزندقة ، وإذا نما العقل والقلب وتخلَّف العمل فقد ضيعنا الحياة الدنيا في القيل والقال ، التفوّق نموٌ متوازن طبيعي، أما التطرّف فهو نموٌ في جانب آخر على حساب جانبٍ نمواً عشوائياً غير منضبطٍ ، وإذا كان هناك في العالم الإسلامي صحوة فأخطر شيءٍ نخشاه على هذه الصحوة التطرّف لا التفوّق .
في قصة إسلام هذا الخليفة أحداث مثيرة ، فذات يومٍ لاهبٍ كما يقول كتَّاب السيرة خرج هذا الرجل العملاق من داره وسيفه على عاتقه ميمماً وجهه شطر دار الأرقم حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام ونفرٌ من أصحابه المؤمنين يذكرون الله هناك ، وفي الطريق يلقاه نُعيم بن عبد الله فيرى ملامحه تتفجَّر بأساً ونقمةً ، فيقترب من عمر ويقول : " إلى أين يا عمر ؟ فيجيبه : إلى هذا الصابئ الذي فرَّق أمر قريش ، وسفَّه أحلامها ، وعاب دينها ، وسبَّ آلهتها فأقتله " ، لعلكم تعلمون أن في هذا الوقت بالذات حينما انطلق هذا الخليفة العظيم أو هذا الرجل الكبير قبل أن يكون مسلما انطلق ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، ما الذي حصل حتى انقلب اندفاعه اندفاعاً آخر ؟ قد يقول أحدكم : أيعقل هذا ، أيكونُ إيمانٌ بين عشيةٍ وضحاها ؟! أيدخل الإيمان إلى قلب الإنسان في طرفة عين ؟! فالسحرة ألم يستعن بهم فرعون ليدحضوا الحق الذي جاء به موسى ، وكيف انقلبوا فجأةً من أُناسٍ يعملون لصالح الكُفر إلى أُناسٍ قد آمنوا في أعلى درجات الإيمان ، أقول في أعلى درجات الإيمان وأعني ما أقول لأن فرعون حينما علم أنهم قد آمنوا مع موسى هددهم بالقتل والصلب والتعذيب ، فما زادوا عن أن قالوا له:

( سورة طه )
هنا تعليقٌ أقوله وأرجو أن يُفهَم كما أريد تماماً : أحياناً الإنسان يسلك سبيلاً طويلاً جداً حتى يصل إلى الإيمان ، سنوات تلو سنوات يفكِّر في آيات الله ويجاهد نفسه وهواه إلى أن يصل إلى إشراقة الإيمان ، وأحياناً تنقدح إشراقة الإيمان في قلب المؤمن في وقتٍ قصيرٍ جداً ، فما العلاقة بين هذا الأمد الطويل وبين هذا الأمد القصير ؟ فلماذا وصل فلان إلى إشراقة الإيمان بعد عشر سنين ، ولماذا فلان في ثانيةٍ واحدة انقدح في قلبه نور الإيمان ؟
الجواب أيها الإخوة جواب دقيق جداً ، في الإنسان عنصر اسمه عنصر الصدق ، ولا أعني بالصدق أن تقول كلاماً يطابق الواقع فهذا مفهومٌ آخر للصدق لا أعنيه إطلاقاً ، الصدق الذي أريده أن تكون صادقاً مع نفسك في طلب الحقيقة ، أن تكون الحقيقة غاليةً عليك جداً بحيث لا تنام الليل إلى أن تصل إليها ، ويستعمل بعض العلماء كلمة الصدق للتعبير عن مدى جدية الإنسان في طلب الحقيقة ، عن مدى إصراره في طلب الحقيقة ، عن مدى اندفاعه إليها ، فإذا زاد الصدق أحرق المراحل ، نحن في النظام العام لا يمكن أن نعطي طالب الليسانس أو الإجازة إلا بعد أربع سنوات دراسة ، في بعض البلاد الراقية بالمقياس المادي يعرف العلمـاء المتخصصون أن هناك أُناسًا متفوقين ، لذلك تسمح لأحدهم أن يجتاز هذه الأعوام الأربعة بثلاثة أعوام ، لكن نحن ليس لدينا في النظام التعليمي إنسان في وقت قصير جداً ينال أعلى شهادة ، فهذا مستحيل ، لكن الله سبحانه وتعالى كما يقول بعض العلماء : طليق الإرادة والفعل ، فإذا عَلِم من إنسانٍ صدقاً عالياً جداً أعطاه في وقتٍ يسير ما لا يعطي الأقل صدقاً في وقتٍ طويل ، لذلك قال بعض العلماء : " المراتب العُليا لا لمن سبق ولكن لمن صدق " .
فقد تجد أحياناً شخصًا دخل إلى حلقة دينية يقول لك : مضى عليّ ثلاثون سنة ، وحالي : مكانك تحمدي أو تستريحي ، وإنسان آخر لم يمض على مجيئه إلى حلقةٍ من حلقات العلم أو حلقةٍ من حلقات التربية أكثر من أشهر ، فإذا هو يتألَّق تألّقاً يفوق هذا الذي مضى عليه عشر سنين أو عشرون سنة ، فالعبرة لمن صدق لا لمن سبق ، أي : أن لله رجالاً إذا أرادوا أراد ، كلما ازداد صدقك رأيت ما لا يصدَّق ؛ رأيـت من توفيـق الله ومِن إكرام الله ، ومِن تأييد الله ، ومِن نصر الله ، ومِن هذه القوة التي تجذب المؤمنين ، وقد ورد في بعض الأحاديث :" ما أقبل عبدٌ على ربه إلا جعل قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة والرحمة " .
الإنسان إذا أقبل على الله بإخلاصٍ جعل قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة والرحمة .
نُعَيم رأى عمر يغلي كالمرجل ، كالبركان الثائر ، لا شيء يمنعه من أن ينطلق إلى قتل محمدٍ عليه الصلاة والسلام فقال له : " لبئس السعي سعيُك ، ولبئس الممشى ممشاك " ففي حياتنا المعاصرة مرض خطير ولكن اسمه لطيف "المجاملة" ، المجاملة تعني مجتمع لا يتناصح أفراده أبداً ، مجتمع تسوده المصالح لا المبادئ ، مجتمع كل واحدٌ منه ينتمي إلى ذاته وإلى مكاسبه فلا يعنيه من أمر الناس شيئاً ، لذلك مما يقال عن الأذكياء غير الأتقياء أنهم يملكون قدرةً على التلوّن عجيبة ، إن جلسوا مع زيدٍ من الناس أشعروه أنهم أقرب الناس إليه ، وإن جلسوا مع عبيدٍ أشعروه أنهم أقرب الناس إليه ، وإن جلسوا مع أصحاب مبادئ معيّنة تمثَّلوا هذه المبادئ وأثنوا عليها حتى تظنُّ أنهم من أصحابها ، فهذا التلوُّن وهذه المجاملة أو هذا النفاق هو الذي يؤخِّر نشر الحق ، فقال له : " لبئس السعي سعيُك ، ولبئس الممشى ممشاك " .
سيدنا عمر ظن أن هذا الذي يعنِّفه قد أسلم أيضاً ، فقال له : "لعلَّك صبأت ؟! إن تكن فعلت فو اللات والعُزّى لأبدأن بك " ونُعيم يعرف تماماً أن ابن الخطَّاب يعني ما يقول ، فينهي الحوار بعبارةٍ تلوي زمام عمر إلى جهةٍ أخرى ، لأنه لم يحتمل وقعها الشديد ، قال : " ألا تعلم يا عمر أن أختك وزوجها قد أسلما وتركا دينك الذي أنت عليه ؟ " أخته فاطمة بنت الخطَّاب!! إذًا ماله ولدار الأرقم ، وقد اقتحم الخطرُ دارَه وعرينَه ، وهكذا أغذَّ السير إلى دار أخته ليسوي معها الحساب ، في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ ؟ قال : " أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ . قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ : فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ . قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ : فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ. قَالَ : فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا " *
( صحيح البخاري )
تطبيق هذه القاعدة : فأنت الآن إذا وجدت شخصًا لا يصلّي ، لا يعتقد بالدين أبداً لكنه شهم ، صاحب مروءة ، صادق ، قلبه رحيم ، فتوقَّعْ له كلَّ خير ، وانتظرْ منه أن يكون من كبار المؤمنين ، لأن هذا الخُلُق لا يقود صاحبه إلا إلى الإيمان ، لذلك لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً قد أسلم وكان في الجاهلية ذا أخلاقٍ عالية فقال عليه الصلاة والسلام :" أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ " *
( صحيح مسلم عن عروة بن الزبير )
إخواننا الكرام ... الناس في محيط ما بين أقربائهم ، وفي محيط أعمالهم ، وفي محيط علاقاتهم إذا رأيتَ الشخص الصادق الأميــن صاحـب المروءة الذي لا تأخذه في الله لومة لائم ، إن رأيت في إسلامه تقصيراً أو في إيمانه تقصيراً فاطمعْ بهذا ، واعتنِ به ، ودلَّه على الله ، لأنه إذا أسلم وآمن فكلُّ هذا الخير أصبح في خدمة المسلمين .
في جوف دار أخته كان سعيد بن زيد وزوجته فاطمة وخبَّاب بن الأرت ، وملء أيديهم صحيفةٌ فيها من وحي الله آياتٌ يتلونها ويتدارسونها ، هل في أيِّ بيت من بيوتنا لا تجد عدة نسخ من المصحف الشريف ؟ هل تمسك بهذا المصحف وتقرؤه ، فيقشعر جلدك ، وتنهمر عيونك ؟ المصحف هو هو ، بين أيديكم كلام الله ، لكن كلما ازددت قرباً من الله ، أولئك ينادَون من مكانٍ قريب ، أما العصاة المحجوبون عن الله عزَّ وجل فينادَون من مكانٍ بعيد ، لو أمسك المصحف وقرأ لا يشعر بشيء إطلاقاً ، فدونه حجب، فكل مخالفة حجاب ، كل معصية حجاب ، والله الذي لا إله إلا هو لا يذوق الإنسان حلاوة الإيمان ولا ثمار الإيمان ولا القرب من الواحد الديَّان إلا بطاعته التامة .
البارحة قلت : لو أن إنسانًا جاء بقطع للمركبة ، فأحضر عجلات وأغطية محرِّك ورفاريف فهل هذه القطع سيارة ؟ لا ، فهي لا تمشي ، لها ثمن لكنها ليست سيارة ، فإذا لم تأخذ الدين من كل جوانبه فلن ينهض بك ، العمل الصالح إذا لم يكن معه استقامة تامة لا يرقى صاحبه ، تأخذ أجرك كاملاً أضعاف مضاعفة ، لكنه لا يرقى بك ، فإذا علم الله أن شهوة من الشهوات هي أغلى عليك من رضوانه فالباب مغلق ، فالطريق إلى الله ليس سالكاً ، نحن بحاجة إلى استقامة وإلى عمل صالح وإلى نمو متوازن ؛ وإلى تفوُّق لا تطرُّف .
قرع الباب قرعاً رهيباً ، وقيل : من ؟ قال : عمر . أما خبّاب فسارع إلى مخبأٍ قصيٍّ في الدار ، وأما أخت عمر وزوجها فقد استقبلاه لدى الباب يغشاهما ذهول المفاجأة ، ولم تنس بنت الخطاب في هذه الغمرة الداهمة الصحيفة الكريمة التي بها آيات الله فخبَّأتها تحت ثيابها من شدة خوفها من عمر ، قال عمر : " ما هذه الهينمة التي سمعت عندكم؟ " ( سمعت صوت قراءة ) أجابا : لا شيء ، إنها نجوى وأحاديث ، قال لهما : سمعت أنكما صبأتما . قال سعيد : أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك ؟ (هذه أول قنبلة ) ، ولم يمهله عمر ، فوثب عليه في عنفوانه وأخذ برأسه يجرّه ويلويه ثم ألقاه أرضاً ، وجلس فوق صدره ، أي أن كل الضغط النفسي الذي في عمر صبَّه على زوج أخته ، وحينما تقدَّمت أخته لتدافع عنه أصابتها لطمةٌ أدمت وجهها ، عندئذٍ صاحت به وكأنها بوقٌ سماوي : يا عدو الله أتضربني على إيماني بالله الأحد ، ألا ما كنت فاعلاً فافعل فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ".
هنا حصل التبدُّل ، هنا حصلت في نفس عمر حادثة غريبة جداً هذا الاندفاع الشديد ضد هذا الدين الجديد توقَّف ، عندئذٍ قال لأخته : هاتِ الصحيفة التي كنتما تقرآن بها لأنظر ما فيها ، وتجيبه أخته : كلا إنه لا يمسُّه إلا المطهَّرون ، اذهب واغتسل وتطهَّر ، تغيَّر عمر ، قبل قليل كان إنسانًا مخيفًا موظَّفًا للباطل ضد الحق ، حينما صاحت بوجهه : افعل ما أنت فاعل ، إنني أشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمَّد رسول الله ، فتبدَّل .
ويمضي عمر ليغتسل ، ويعود إلى أخته ، ويأخذ الصحيفة مِن يديها ، ويقرأ فإذا فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

ويتابع فإذا في هذه السورة :

( سورة طه )
سيدنا عمر صار إنسانًا آخر ، عانق الصحيفة وقبَّلها ، ونهض واقفاً وقال : " لا ينبغي لمن هذه آياته أن يكون له شريكٌ يُعبد معه ، دلوني على محمد ".
بعضهم قال ، وأضعُ هذه المقولة بين أيديكم : " إما أن تطيعه فيكرمك ، وإما لحكمةٍ بالغةٍ ولعلمٍ يعلمه فيك يكرمك فتطيعه " ، وإما أن يسبق لك من الله عنايةٌ فيكرمك فتطيعه ، وأنا أمْيَل إلى التفسير الأول ، أنه إذا ارتفعت وتيرة الصدق في الإنسان حرقت المراحل .
والذي قد تخبأ ظهر ، سيدنا خبَّاب بن الأرت خرج من مخبئه ، وهرول صوب عمر صائحاً : " أبشر يا عمر ، فوالله لقد استجيب دعاء رسول الله لك " ، فهو قد سمع الدعاء : ((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ )) .
(رواه الترمذي عن ابن عمر)
بالمناسبـة عندما جاء عُمير بن وهب إلى المدينة ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ومعه سيفٌ مسموم ورآه عمر وعرف في وجهه الشر ، وقاده إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " يا رسول الله هذا عُمير جاء يريد شراً " .. والقصة تعرفونها .. حينما أسلم عُمير ماذا قال عمر ؟ قال: " والله دخل عُمير إلى النبي والخنزير أحبُّ إليَّ منه ، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليَّ من بعض أولادي".
وأنا أقول لكم الآن : إذا كان الشخص عدوًّا للدين فاجرًا منافقًا مستهزئًا ، لو رأيته تاب إلى الله ، واصطلح معه ، إن لم ينقلب بغضه محبّة فلست مؤمناً ، علامة إيمانك أنك لا تعادي الأشخاص بذواتهم ولكن تعادي اتجاهاتهم ، لا تعادي عين الشخص ولا ذاته ، وإنما عادِ أفكاره واتجاهاته وأعماله ، فإذا رجع عنها فهو أخوك حقاً ، فهذه علامة الإيمان ، لو أن إنسانًا تُكِنُّ له كل عداوةٍ لله ، كل بغضٍ لله ورأيته قد اصطلح مع الله إن لم تنقلب عداوتك حباً فلست والله مؤمناً ، إن لم ينقلب بغضك محبةً فلست والله مؤمناً .
أيها الإخوة ... هذا الصحابي الجليل أسلم بهذه الطريقة الفذَّة ، وجاء بيت الأرقم ودخل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأعلن الإسلام على يديه ، وتحققت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد أسلم أحبُّ العُمرين إلى الله عزَّ وجل ، وكان هذا الإسلام حدثاً كبيراً في الدعوة الإسلامية .
مرةً ثانية وثالثة : هناك رجلٌ كألْف ، وهناك ألْف كأُف ، فكن واحدًا كالألف ، وطريق البطولة مفتوحٌ لك ولغيرك .
وحينما التقى عمر بالنبي عليه الصلاة والسلام ، قال للنبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله ألسنا على الحقِّ في مماتنا ومحيانا ؟ " قال: بلى يا عُمر ، والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن مِتُم وإن حييتُم . فقال عمر : " ففيمَ الاختفاء إذاً ؟ والذي بعثك بالحق لتخرجنَّ ولنخرجنَّ معك" ، أي أن أول بادرة من هذا الصحابي الجليل أنه تمنّى على النبي عليه الصلاة والسلام أن تنتهي هذه المرحلة مرحلة الاختفاء إلى مرحلة الخروج إلى البيوت وإلى المسجد الحرام .
بعد أن كُشف له الغِطاء ورأى الحقيقة الناصعة ودخل النور إلى قلبه قال هذا الصحابي الجليل : " والله لن أترك مكاناً جلست فيه بالكُفر إلا جلست فيه بالإيمان " .
لذلك يصحب التوبة ثلاثة أشياء : هناك العلم ، وهناك الحال ، وهناك العمل ، فالعلم يورث حالاً، وهذه الحال هي حالة الندم ، لكن عن العمل قالوا : هو أنواعٌ ثلاثة ؛ إصلاحٌ في الماضي ، وإقلاعٌ في الحاضر ، وعزيمةٌ في المستقبل ، " والله لن أترك مكاناً جلست فيه بالكُفر إلا جلست فيه بالإيمان".
هذا الصحابي له قصةٌ طويلة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقنا جميعاً إلى معرفتها واقتفاء معالمها لأنه كما قلت في أول الدرس : "...فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ... " * وهذا الصحابي الجليل من الخلفاء الراشدين الهادين المهديين ، ومرةً بعد مرة أرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الحقائق إلى ممارسات يومية وإلى سلوك ، لا أن تكون هذه الحقائق حقائق تاريخية نقرؤها لنملأ بها وقت الفراغ ، عندئذٍ لا تقدِّم ولا تؤخِّر .
وكما ذكرت لكم من قبل : أنا أعرضت قصداً عن كل فصلٍ نتعب في فهمه وقد نقع في سوء الظن ، نحن نحبُّ من التاريخ ما كان حافزاً لنا ، ونعرض عما كان عبئاً علينا ، فنحن نأخذ هذه الصفحات فلعلها تدفعنا إلى أهدافنا في الإيمان دفعاً حثيثاً .
والحمد لله رب العالمين
* * *


--------------------
[FONT=Arial][COLOR=blue] [SIZE=14]الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
Go to the top of the page
 
+Quote Post

Reply to this topicStart new topic
4 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (4 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 

نسخة خفيفة الوقت الآن: 25th April 2014 - 08:08 am
Copyright 2007 - 2009 A7laShe.Com All Right Reserved Brought to you By VipIt Solutions